رائحة الأرض

 ((المعطي)) رجل ممتلئ ، تساقطت بعض شعيرات جبهته التي كانت آثار الصلاة واضحة عليها ، وامتلأ رأسه شيبا ، رزق ثلاثة أولاد ، وفدان أرض ورثه عن أبيه . اشتدت وطأة المرض عليه ، فقرر أن يجمع أبناءه ليقد م لهم آخر نصائحه :
تحليل النص القرائي ((رائحة الأرض)) لعبد الرحمن مجيد الربيعي
- اسمع يا محمد ، وأنت يا مجيد ، و أنت يا نجمة ، لقد أنفقت أعوامي الطويلة متمسكا بالله والأرض ، ليس هناك أجدى منهما : الأرض تضمن قوت الحياة الدنيا ، والله يشملك برعايته ورحمته يوم الدين. وغلبته موجة سعال حاد ، وما إن توقفت حتى تابع كلامه :
- اسمعوا يا أولاد ، هنا وجدنا نحن وآباؤنا ، وسنظل هنا ، فلا تزرعوا خيانة الأرض في نفوس أبنائكم ، أعرفتم كيف يعيش من هاجروا قبلكم؟
كان الأولاد واجمين أمام رهبة أبيهم الطويل الذي لم يدخن السجارة مرة ، ولم يلوث رئتيه هواء المدن ،  ولم تستقر قدماه في حذاء . نطق محمد في صوت كالهمس :
- ولكننا لا نجد أحيانا ما نأكل يا والدي..
قالت نجمة محاولة ترضية أبيها :
- نحن طوع أمك يا والدي.
ووقف مجيد حائرا ، فقد أراد أن يغادر القرية مع من غادروها ، إذ كان يحس بدبيب المغامرة يسري في داخله ، ويشعر بأن ألف دافع يناديه ليرحل صوب الأماكن البعيدة المجهولة ، حلم يمر كساقية ماء تروي نبتة أتعبها الجفاف ، لكن عزم أبيه وتصميمه وقوة تشبثه بالأرض ، كانت أشبه بمعاول تقوض بناء ذلك الحلم.
الأولاد الثلاثة منتصبون ، وهم يتأملون قطعان الماشية تنعم بالرخاء الأخضر الذي تتوسده القرية. عادت الرؤوس لتفكر وفق عادات القرية الهادئة ، والشمس والمراعي والمواسم ، والخوض في مياه الترع ، ثم الزواج وتكرار ما فعله الألوف من الناس على امتداد تاريخ هذه القرية الوادعة . تساءل الأب :
- ألا يحدثك قلبك بشيء يا مجيد؟
وانتفض مجيد قبل أن ينطق لسانه بما في قرارة نفسه : 
- لن يحدثني قلبي إلا بطاعتك يا والدي ، من الأرض جئنا وإليها نعود...
كانت الشمس آنذاك أكثر إشراقا ، تلتمع تحت وهجها سواقي الماء ، وهمس محمد :
- إن ذهب الجميع ، فأبناء المعطي باقون هنا ، أقدامهم راسخة في هذه الأرض ، ولن تنام عيونهم إلا على ترابها.
قال المعطي بكبرياء ورضى :
- أنتم أولادي حقا ، ظلي الذي لن يطيق أحد انتزاعه مني.
يحدثنا تاريخ القرية ، أن أبناء المعطي كانوا أوفياء للعهد ، ولم يهاجروا قريتهم مطلقا ، حتى دفنت فيها جثثهم.
عبد الرحمن مجيد الربيعي . عن ((المواسم الأخرى)) ص 81 - دار الطليعة . الطبعة الأولى - 1970م

أولا : التعريف بالكاتب : [ عبد الرحمن مجيد الربيعي ]


عبد الرحمن مجيد الربيعي في تونس

  مراحل من حياته : 
  أعماله :
- ولد في مدينة الناصرية جنوب العراق سنة 1939
- درس الرسم وتخرج من معهد الفنون الجميلة ببغداد
- بدأ مشواره الأدبي بالنشر في الصحف العراقية والعربية
- أشرف على تحرير الصفحة الثقافية في جريدة الأنبار الجديدة، والفجر الجديد
- عمل مديرا للمركز الثقافي العراقي في كل من بيروت وتونس
- عضو هيئة تحرير مجلة "الحياة الثقافية" التي تصدرها وزارة الثقافة التونسية.
 - السيف والسفينة – الظل في الرأس – الخيول – وجوه من رحلة التعب – الوشم – عيون في الحلم 

ثانيا : ملاحظة النص واستكشافه :

1- العنوان : 
- تركيبيا : عنوان النص مركب إضافي يتكون من كلمتين
معجميا : ينتمي إلى المجال السكاني
دلاليا : يوحي العنوان بشدة التعلق بالأرض إلى درجة استنشاق رائحتها
2- بداية النص :
- تضمن موصوفا رئيسيا "المعطي" وموصوفات فرعية هي الأوصاف الجسمية "رجل ممتلئ…" والأوصاف الاجتماعية (رزق ثلاثة أولاد.."
- نلاحظ تكرار الجزء الثاني من العنوان "الأرض"
- تتضمن حدثا يشير إلى مرض المعطي وقراره إسداء النصائح لأبنائه.
3- نهاية النص : 
تتضمن حدثا يشير إلى أن أبناء المعطي عملوا بوصية أبيهم ولم يتتركوا أرضهم.
4- نوعية النص :  نص سردي ذو بعد سكاني

ثالثا : فهم النص :

1- الإيضاح اللغوي :واجمين : ساكتين وعاجزين عن التكلم من شدة الحزن أو الخوفدبيب : حركة وحيوية  انتفض : تيقظ ، وتحرك في اضطراب
2- الحدث الرئيسي :تمكن الأب من زرع محبة الأرض في قلوب أبنائه ، وإقناعهم بالبقاء فيها رغم الجفاف الذي تعاني منه.

رابعا : تحليل النص :

1- أحداث النص :
أ – تأكيد الأب على أهمية التمسك بالله والأرض ودعوة أبنائه إلى عدم خيانتها
ب- تعدد الأسباب الداعية إلى الهجرة دفع الأبناء إلى التردد في القبول بوصية أبيهم
ج- استحضار الأبناء لمميزات القرية وفضلها عليهم دفعهم إلى إسعاد أبيهم بتنفيذ وصيته والبقاء في القرية

2- ملامح الخطاب الحجاجي في النص :
        ينبني النص على منطق حجاجي يتجلى في اختلاف المواقف والآراء بين الشخصيات المتحاورة ، ومحاولة كل طرف إقناع الآخر بصدق فكرته وبطلان فكرة خصمه ، والجدول التالي يوضح هذه الملامح :
 الشخصيات المتحاورة  الفكرة المرفوضة  الحجج و المبررات  الفكرة المقترحة
 - الأب "المعطي"  الهجرة إلى المدينة  - الأرض تضمن قوت الحياة...
- هنا وجدنا نحن و آباؤنا...
- أعرفتم كيف يعيش من هاجروا قبلكم؟
 البقاء في القرية
 - الأبناء ، وخاصة "محمد" و "مجيد"  البقاء في القرية  - لكننا لا نجد أحيانا ما نأكل يا والدي.
- ألف دافع يدعوه ويناديه ليرحل...
 الهجرة إلى المدينة
 * النتيجة : تمكن الأب من إقناع أبنائه بالبقاء في القرية..
 * نقطة التحول في النص : هي الفقرة التي يقول فيها الكاتب : (( الأولاد الثلاثة منتصبون ، وهم يتأملون قطعان الماشية……….على امتداد تاريخ هذه القرية الوادعة)).
3- الزمن في النص :
يمكن تقسيم الزمن في هذا النص إلى قسمين :
- الزمن الاسترجاعي : ومن أمثلته :    - أنفقت أعوامي الطويلة
                                                 - هنا وجدنا نحن و آباؤنا
                                                 - لم يدخن السجائر مرة
- الزمن الاستباقي : ومن أمثلته :        - سنضل هنا
                                                 - لم يهاجروا قريتهم مطلقا..
                                                 - لن تنام عيونهم إلا على ترابها
                                                 - أبناء المعطي باقون هنا

خامسا : التركيب والتقويم :

     يعالج النص قضية الهجرة القروية  من خلال موقفين متعارضين هما : موقف الأب الداعي إلى التشبت بالأرض وعدم الهجرة  ، وموقف الأبناء المتمثل في التفكير في الهجرة  وترك القرية . وقد قدم كل فريق حججه ومبرراته.. ، لكن الأب هو من تفوق في الأخير ، وتمكن من إقناع أبنائه بالبقاء في القرية.
     وعلى مستوى الأسلوب مزج الكاتب بين السرد و الوصف والحوار ، حيث وظف السرد لعرض أحداث النص ، ووظف الوصف لنقل صورة عن الشخصيات ، ووظف الحوار لعرض المواقف والآراء.   
إقرأ المزيد

أنا و المدينة


هذا أنا ،
وهذه مدينتي ،
عند انتصاف الليل
قصيدة الشاعر عبد المعطي حجازي ((أنا والمدينة))
رحابة الميدان ، والجدران تل
تبين ثم تختفي وراء تلّ
وريقة في الريح دارت ، ثم حطت ، ثم ضاعت في الدروب.
ظل يذوب
يمتد ظل
وعين مصباح فضولي ممل
دست على شعاعه لّما مررت
وجاش وجداني بمقطع حزين
بدأته ، ثم سكت
من أنت يا .. من أنت ؟
الحارس الغبيّ لا يعي حكايتي
لقد طردت اليوم
من غرفتي
وصرت ضائعا بدون اسم
هذا أنا ،
وهذه مدينتي !
              عبد المعطي حجازي ، مدينة بلا قلب – الأعمال الكاملة ، دار العودة ، بيروت 1973 – ص/ص 188 –  189


أولا : بطاقة التعريف بالشاعر : [ عبد المعطي حجازي ]

عبد المعطي حجازي- قصيدة ((أنا والمدينة))
عبد المعطي حجازي
 مراحل من حياته :
 أعماله :
 - ولد سنة 1935م بمصر              
- حفظ القرآن الكريم ، وتدرج في مراحل التعليم حتي حصل على دبلوم دار المعلمين 1955- حصل على ليسانس الاجتماع من جامعة السوربون الجديدة 1978 ، ودبلوم الدراسات المعمقة في الأدب العربي 1979
- عمل مدير تحرير مجلة صباح الخير.-  سافر إلى فرنسا حيث عمل أستاذاً للشعر العربي بجامعاتها ثم عاد إلى القاهرة لينضم إلى أسرة تحرير (الأهرام). ويرأس تحرير مجلة (إبداع).- عضو نقابة الصحفيين المصرية ولجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة ، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان.- دعي لإلقاء شعره في المهرجانات الأدبية.- شارك في العديد من المؤتمرات الأدبية في كثير من العواصم العربية ، ويعد من رواد حركة التجديد في الشعر العربي المعاصر.- حصل على جائزة كفافيس اليونانية المصرية سنة 1989 ، وجائزة الشعر الأفريقى ، عام 1996 ، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة ، عام 1997- ترجمت مختارات من قصائده إلى الفرنسية والإنجليزية والروسية والإسبانية والإيطالية والألمانية وغيرها.
* دواوينه الشعرية:

مدينة بلا قلب 1959
- أوراس 1959- لم يبق إلا الاعتراف 1965- مرثية العمر الجميل 1972- كائنات مملكة الليل 1978- أشجار الإسمنت 1989 .

* مؤلفاته: منها:- محمد وهؤلاء - إبراهيم ناجي- خليل مطران - حديث الثلاثاء- الشعر رفيقي - مدن الآخرين- عروبة مصر - أحفاد شوقي



ثانيا : ملاحظة النص واستكشافه :

1- العنوان :
- تركيبيا : عنوان النص مركب عطفي
- معجميا : ينتمي العنوان إلى المجال السكاني.
- دلاليا : يدل حرف العطف (الواو) على علاقة بين الشاعر الذي يعود عليه ضمير المتكلم (أنا) والمدينة ، وهذا يوحي بوجود شيء مشترك بينهما أو ربما بشدة تعلق الشاعر بمدينته.
2- بداية النص :
        نلاحظ فيها تكرار العنوان مع إضافة اسمين للإشارة هما : (هذا و هذه) للدلالة على التأكيد والتحديد والقرب من المدينة.. فكأن الشاعر يريد أن يؤكد على أن الضمير (أنا) يحيل عليه دون سواه وأن المدينة المتحدث عنها هي مدينته دون غيرها من المدن..مما جعله يحدد طرفي المواجهة في هذه القصيدة ويعرف بكل منهما بشكل يجعلهما قريبين من بعضهما وغير بعيدين موظفا لهذا الغرض اسمين للإشارة دالين على القريب.
3- نهاية النص :
          ينتهي النص بنفس العبارة التي استهلت بها القصيدة ، وهذا يعطي القصيدة نظاما دائريا / حلزونيا في بنائها ، مما يدل على أن المواجهة التي أعلن عنها الشاعر في بداية القصيدة بين الشاعر ومدينته لم تحقق رغبة الشاعر أو طموحه ، فعاد بنا إلى نقطة الصفر ليؤكد على استمرار المشكلة ذاتها و الإحساس بخيبة الأمل.
4- نوعية النص :
قصيدة شعرية من الشعر الحر ذات بعد سكاني


 ثالثا : فهم النص :


1- الإيضاح اللغوي :
- رحابة : شساعة ، اتساع
- التل : الربوة أو الأكمة أو الهضبة ، المرتفع من الأرض قليلا . ج : تلال.
- جاش : تحرك وسال
2- الفكرة المحورية :
إحساس الشاعر بالغربة والضياع في المدينة رغم رحابة ميادينها

 رابعا : تحليل النص :

1- أحداث القصة التي تحكيها القصيدة :
أ- [ من السطر : 1  الى السطر : 12 ]
* وصف المدينة بمساحتها الشاسعة ، وما يعانيه الشاعر من حزن وكآبة وتشرد
 ب- [ من السطر : 13 إلى السطر : 19 ]
* تفاقم مشكلة الشاعر بسبب طرده من غرفته ، وجهل الحارس لحكايته.
2- عناصر القصة :
 الشخصيات
 الزمان 
 المكان
- الحارس
- الشاعر
 - انتصاف الليل
- اليوم
 - المدينة  -  الميدان
- الدروب  - الغرفة
3- الألفاظ والعبارات الدالة على الحزن والمعاناة :
ضاعت – حزين – ضائعا – ممل – يذوب – طردت – جاش – لا يعي – سكت – تختفي – بدون اسم …

4- ملامح البناء الدائري / الحلزوني في القصيدة :

            يدل هذا النوع من البناء – كما تمت الإشارة سابقا – على خيبة الأمل التي يشعر بها الشاعر ، وعجزه عن إيجاد حل لمشكلته ، فكل خطوة يقوم بها في سبيل الخروج من قوقعة مشكلته فهي خطوة من و إلى هذه القوقعة..لذلك سرعان مايجد الشاعر نفسه في نفس المكان فتكون البداية هي نفسها النهاية.
         وتجدر الإشارة إلى أن القصيدة في كليتها عبارة عن دائرة كبرى تبدأ وتنتهي بنفس العبارة ( هذا أنا.. و هذه مدينتي ) ، وتتخللها دوائر صغرى نوضيحها من خلال الأمثلة التالية :
- ظل يذوب يمتد ظل : نلاحظ هنا تكرارا للفظة (ظل) في بداية ونهاية السطر ، ومن خلال هذا التكرار تم التقريب بين الفعلين (يذوب + يمتد) للدلالة على انتقال انسيابي بين مرحلتين متواليتين هما لحظة ذوبان الظل ولحظة امتداده. وهو انتقال ما كان ليحدث بهذا الشكل الانسيابي لو أن الشاعر قال مثلا : (ظل يذوب ظل يمتد)
- بدأته ثم سكت : سكوت الشاعر بعد بدء الكلام دليل على عودته إلى لحظة ماقبل البدء بالكلام حيث كان ساكتا ، مما يجعل البداية هي نفسها النهاية.. ومن خلال ذلك يتضح النظام الدائري للقصيدة مرة أخرى.
- من أنت يا... من أنت : عبارة من أنت رددها الحارس مرتين : في بداية السطر ونهايته ، ويبدو أن لسانه سبقه إلى النطق بأداة الاستفهام قبل التفكير في المنادى الذي يخاطبه من يكون؟ وما اسمه؟..مما جعله يكون في مأزق وموقف محرج لم يخرج منه إلا بالاستدارة والرجوع إلى عبارة البداية..(من أنت).


 خامسا : التركيب و التقويم :


         القصيدة رصد لحالة العلاقة المتوترة بين الشاعر (الإنسان) والمدينة (بيئة الإنسان) ، هذا التوتر جسده الشاعر في الصراع بينه وبين مدينته التي يراها فضاء رحبا يبعث على الحزن والغربة والضياع ، أهلها غرباء لا معنى لوجودهم ،  ينعدم التواصل بينهم ، و الكل منشغل بمصالحه الشخصية غير ملتفت لمشاكل الأخرين.
         أما على مستوى الأسلوب ، فالقصيدة غنية بالصور الشعرية والخصائص الفنية التي وظفها الشاعر بشكل مبدع مما جعلها تخدم المضمون و تضفي لمسة جمالية على القصيدة. ومن أمثلتها :
- الصور الشعرية : وريقة في الريح دارت ، ثم حطت ، ثم ضاعت في الدروب.
         من خلال هذه الصورة يشبه الشاعر نفسه بالوريقة التي تدور قبل سقوطها ثم تضيع في الدروب ، في إشارة إى ضياعه وغربته في المدينة.
- التكرار : هذا أنا .. هذه مدينة..
            بالإضافة إلى ما قلناه عن هذا التعبير عد حديثنا عن النظام الدائري للقصيدة.. فللتكرار وظيفة أخرى تتمثل في التأكيد ولفت الانتباه إلى الألفاظ المكررة
- الطباق :      تبين ≠ تختفي     -      يذوب ≠ يمتد   
إقرأ المزيد

بائعة الكبريت


     كان البرد شديدا جدا والثلج يتساقط في تلك الأمسية ،  وفي ذلك البرد القارس و الظلام الشديد كانت طفلة تجوب الشوارع  ، مكشوفة الرأس حافية القدمين.  إنها لم تكن حافية حينما غادرت بيتها ، لقد كان في قدميها حذاءا ،  و لكنهما لم يكونا يفيدانها. كانا في الأصل حذاءين لوالدتها ،  و كانا واسعين ممزقين ،  و لذلك سقطا من قدميها ،  بينما كانت تحاول أن تعبر الشارع بسرعة ،  لتتجنب الوقوع بين عربتين كادتا تتصادمان.  و عادت تبحث عنهما فوجدتهما قد اختفيا ، وهكذا اضطرت أن تسير حافية .  وكانت تحمل في ثوبها عددا من علب الكبريت ، وفي يدها واحدة منها ،  ومضى النهار كله ولم تبع علبة واحدة ، ولم يحسن أحد إليها بمال ، وهي تعاني الجوع والبرد ، وتورم خداها ، وأخذ الثلج يتساقط على شعرها الأشقر الطويل ، الذي تناثر على عنقها خصلا جميلة.
النص القرائي بائعة الكبريت       وفي زاوية بين بيتين جلست الطفلة ،  وثنت ساقيها تحتها لتدفئهما،  ولم تكن تجرؤ على العودة إلى البيت بعلب الكبريت التي لم تبع منها شيئا خوفا من ضرب أبيها. 
        كادت يداها الصغيرتان تيبسان من شدة البرد ، وذكرت الكبريت وما فيه من دفء فتناولت عودا وأشعلته ، كان ضوؤه جميلا يبعث الحرارة ، وكان أشبه بشمعة صغيرة ، وبعث شعلة الدفء في اليدين الصغيرتين المتجمدتين ، وخيل إليها، و الضوء يتراقص بين يديها أنها جالسة بجانب مدفأة حديدية كبيرة ، و النار تشتعل فيها متصلة هادئة . وأخذت الطفلة تمد ساقيها لينالهما الدفء أيضا ، ولكن الشعلة انطفأت واختفت المدفاة الحديدية الكبيرة التي تراءت في خيال الطفلة الساذج ، ووجدت نفسها وليس في يدها غير عود الكبريت المحترق ، فأشعلت عودا آخر ، وعادت الطفلة فأشعلت عودا ثالثا ، فأنار كل ما حولها،  وفي ضوئه تراءت لها جدتها العجوز ، تشع بالنور، طيبة حنونا كما كانت دائما، فهتفت الطفلة: جدتي خذيني معك ،  أنا أعلم أنك ستختفين حالما ينطفئ عود الثقاب. وأسرعت الفتاة فأشعلت جميع عيدان الثقاب التي كانت في العلبة الواحدة ، كانت تريد أن تبقي جدتها لديها وقتا أطول فأعطتها عيدان الثقاب الكثيرة نورا أكثر. كانت كأنها في وضح النهار. وبدت لها جدتها أجمل مما كانت من قبل... ومدت الجدة ذراعيها فحملت الطفلة بينهما ، وطارتا معا عاليا في السماء ، حيث لاجوع ولا برد ولا عناء..
       وطلع الصباح البارد على هذا الركن من الشارع ، فرأى المارة طغلة موردة الخدين، على شفتيها ابتسامة ، وقد ماتت من شدة البرد... ماتت في هذه الليلة الزمهريرية ، وعلب الكبريت فرغت إلا واحدة فقط. وقال العابرون: لقد كانت المسكينة تحاول أن تستدفئ... ولكن لم يكن فيهم من عرف ما رأت الطفلة ، وهي تشعل الثقاب من بعد الثقاب.

عيسى الناعوري . النصوص العامة – دار الثقافة ص 456
-------------------------------------------------------------------------------------------------
            سأحاول في هذه التدوينة أن أخرج عن القاعدة التي ألفناها في تحليل النصوص القرائية وسأقدم هذا الدرس بطريقة أخرى كما أنجزته مع تلامذتي داخل الفصل ، وتجدر الإشارة إلى أننا أمام نص مسترسل  مما يستوجب أن يكون التلاميذ قد اطلعوا عليه قبل الحصة قراءة وإعدادا..
           وعليه سيأخذ الدرس بعدا تطبيقيا يطبق من خلاله التلاميذ مكتسباتهم ومهاراتهم القرائية التي اكتسبوها في النصوص السابقة.
           بعد التمهيد وطرح الأسئلة الاستكشافية للتأكد من مدى اطلاع التلاميذ على النص المسترسل ننتقل للتطبيق..
           تكتب الأسئلة التالية على السبورة وتعطى مهلة للتلاميذ- قبل تصحيحها-  قصد إنجازها إما بشكل فردي أو في مجموعات ، وإذا كان العمل جماعيا يستحسن أن يقتصر عمل كل مجموعة على فئة محددة من الأسئلة :
------------------------------------------------------------------------------------------------

** الأسئلة :

أولا : ملاحظة النص :

1- حدد نوعية العنوان من الناحية التركيبية :

2- بم توحي إليك عبارة “بائعة الكبريت” ؟

3- هل تكرر العنوان في بداية النص ؟ استخرج بعض العبارات التي تنتمي إلى حقله المعجمي

4- بم تبتدئ معظم فقرات النص (الأفعال أم الأسماء؟) وما دلالة ذلك ؟

5- اقرأ السطر الأول من النص والسطرين الأخيرين منه ، ثم اقترح فرضية حول مضمونه.

6- حدد نوعية النص مسترشدا بإجابتك في السؤال (4)

ثانيا : فهم النص :

 1- استخرج من النص الكلمات التي تناسب الشرح التالي : 
- …………………. : انتفخ والتهب   - ………………….. : تفرق وانتشر 
- …………….….. : صاحت ومدت صوتها - ……………….….. : لونها كلون الورد 
2- حدد الحدث الرئيسي في النص معتمدا على الأسئلة التالية : - مم كانت الطفلة تعاني ؟ – ما المصير الذي لقيته ؟ ما سبب ذلك ؟ 

ثالثا : تحليل النص : 

1- صل الأحداث التالية بما يناسبه من فقرات النص :
 الأحـــــــــــــــــداث
 الفقرات
 - وصف معاناة الطفلة خلال الليلة التي قضتها في الشارع
 1
 - وصف بائعة الكبريت ومعاناتها بسبب الجوع والبرد والفقر
 2
 - موت الطفلة
 3
 - اخفاق الطفلة في بيع علب الكبريت ، ورفضها العودة إلى البيت خوفا من ضرب أبيها
 4

2- استخرج من النص أوصاف بائعة الكبريت ، وصنفها حسب الجدول التالي : 

 أوصاف جسمية
 أوصاف نفسية
 أوصاف اجتماعية


3- حدد نوع الرؤية السردية (أي الزاوية التي يحكي منه الكاتب) 



رابعا : التركيب والتقويم : 

1- لخص النص في بضعة أسطر معتمدا على أحداثه

2- أبرز قيمته الاجتماعية.

** عناصر الإجابة :


أولا : ملاحظة النص :

1- حدد نوعية العنوان من الناحية التركيبية :
عنوان النص مركب إضافي يتكون من كلمتين
2- بم توحي إليك عبارة “بائعة الكبريت” ؟
توحي هذه العبارة بشخصية / بائعة تبيع الدفىء والطمأنينة والنور  ، كما توحي بالفقر والمعاناة لأن بيع الكبريت ليس عملا مربحا
3- هل تكرر العنوان في بداية النص ؟ استخرج بعض العبارات التي تنتمي إلى حقله المعجمي
لم يتكرر العنوان في بداية النص ولكننا نجد بدله عبارات أخرى تنتمي إلى الحقل المعجمي نفسه ، مثل : عود الثقاب – لم تبع – علب الكبريت – أشعلت …
4- بم تبتدئ معظم فقرات النص (الأفعال أم الأسماء؟) وما دلالة ذلك ؟
معظم فقرات النص تبتدئ بالأفعال التي تدل على الحكي والسرد
5- اقرأ السطر الأول من النص والسطرين الأخيرين منه ، ثم اقترح فرضية حول مضمونه.
يفترض أن يتحدث النص عن معاناة بائعة الكبريت والنهاية المأساوية التي انتهت إليها
6- حدد نوعية النص مسترشدا بإجابتك في السؤال (4)
نص حكائي ذو بعد اجتماعي

ثانيا : فهم النص :

 1- استخرج من النص الكلمات التي تناسب الشرح التالي : 
تورم : انتفخ والتهب                            - تناثر : تفرق وانتشر 
هتفت : صاحت ومدت صوتها                - موردة : لونها كلون الورد 2- حدد الحدث الرئيسي في النص معتمدا على الأسئلة التالية : - مم كانت الطفلة تعاني ؟ – ما المصير الذي لقيته ؟ ما سبب ذلك ؟

معاناة بائعة الكبريت من الفقر والجوع ، وموتها بسبب البرد وعدم إشفاق الناس عليها

ثالثا : تحليل النص : 

1- صل الأحداث التالية بما يناسبه من فقرات النص :

 الأحـــــــــــــــــداث
 الفقرات
 - وصف معاناة الطفلة خلال الليلة التي قضتها في الشارع
 3
 - وصف بائعة الكبريت ومعاناتها بسبب الجوع والبرد والفقر
1
 - موت الطفلة
4
 - إخفاق الطفلة في بيع علب الكبريت ، ورفضها العودة إلى البيت خوفا من ضرب أبيها
 2
2- استخرج من النص أوصاف بائعة الكبريت ، وصنفها حسب الجدول التالي : 

 أوصاف جسمية
 أوصاف نفسية
 أوصاف اجتماعية
 مكشوفة الرأس – حافية القدمين – تورم خداها – شعرها الأشقر الطويل… الخوف من الأب – تخيل الجدة

 الفقر والحرمان
3- حدد نوع الرؤية السردية (أي الزاوية التي يحكي منه الكاتب) 

الرؤية من الداخل : لأن السارد يعرف أكثر مما تعرفه الشخصية الرئيسية ، وهو ملم بالتفاصيل والجزئيات.

رابعا : التركيب والتقويم : 

1- لخص النص في بضعة أسطر معتمدا على أحداثه
    يتحدث النص عن قصة طفلة فقيرة تبيع الكبريت ، وتعاني في سبيل ذلك معاناة شديدة بسبب البرد القارس وندرة المشترين ، وحدث في أحد الأيام أن فشلت في بيعها ، مما جعلها تقرر عدم الرجوع إلى البيت مخافة ضرب أبيها ، واختارت البقاء في الشارع ، وقضت وقتها في إشعال الكبريت والتخيل..ولم تتمكن من مقاومة البرد الشديد فماتت دون أن يتمكن أحد من إنقاذها.

2- أبرز قيمته الاجتماعية .
    تتجلى القيمة الاجتماعية للنص في مشكلة الفقر وما يرتبط به من معاناة وحرمان  ، وغياب روح التضامن مع الفقراء والمحتاجين من طرف أفراد المجتمع.
إقرأ المزيد

تطبيقات على اسم التفضيل وأسلوب التعجب

تطبيقات على أسلوب التعجب واسم التفضيل

نص الانطلاق :

لعل من أنجع وسائل العمل على تعداد المواقع الخضراء توعية السكان بأهمية المناطق المعشوشبة وضرورتها لتأمين الصحة الجسدية والنفسية للإنسان ، وحرص المجالس البلدية والقروية والمصالح المسؤولة على استثمار كل الوسائل المتاحة لتوسيع الرقعة الخضراء ومضاعفة الاهتمام بها باستمرار ، وسهر المؤسسات التعليمية على تنشيط عملية الغرس والتشجير والبستنة والتشذيب . فما أحوج الناس إلى الاستمتاع بالحدائق! وأنعم بالعيش بين جنباتها وتحت ظلالها! … وشتان بين بيئة ينعم فيها الطرف بمخضرالعشب ، وينتشي فيها الشم بعطر الياسمين ، وبين أخرى لا يقع فيها البصر إلا على البناء والسكن وعاري التراب ، وناتئ الحجر.
عبد الحي الرايس ، برنامج آفاق تربوية ، إذاعة فاس.

أولا : الفهم :

1- اشرح حسب سياق النص :  – شتان : .................................  -  ناتئ : ....................................
2- حدد أهم الوسائل التي أشار إليها النص لتوسيع المواقع الخضراء.
3- ما فائدة المجال الأخضر في حياة الإنسان خاصة ، والكائنات عامة؟

ثانيا : التطبيق :

1- اضبط بالشكل التام الكلمات المسطر تحتها داخل النص ( الناس – ينعم – الطرف – مخضر )
2- استخرج من النص اسما للتفضيل وأسلوبا للتعجب
3- حدد طريقة صياغة التعجب في الجمل التالية :
 الجــــمـــــــــل
 طريقة صياغة أسلوب التعجب فيها
 - ما أعظم ما تساهم به في حق بيئتك!
- ما أجمل الطبيعة!
- يا له من منظر رائع!

4- كون جملتين تستعمل في الأولى اسم تفضيل بطريقة مباشرة وفي الثانية بطريقة غير مباشرة
5- أعرب : أنعم بالعيش في جنباتها



*** التصحيح***



أولا : الفهم :

1- اشرح حسب سياق النص :  – شتان : افترق وبعد      - ناتئ : بارز
2- حدد أهم الوسائل التي أشار إليها النص لتوسيع المواقع الخضراء.
- توعية السكان بأهمية المناطق المعشوشبة
- حرص المسؤولين على توسيع المناطق الخضراء
- سهر المؤسسات التعليمية على تنشيط عملية الغرس
3- ما فائدة المجال الأخضر في حياة الإنسان خاصة ، والكائنات عامة؟
- تأمين الصحة الجسدية والنفسية للإنسان ، وتوفير بيئة ملائمة لمختلف الكائنات.

ثانيا : التطبيق :

1- اضبط بالشكل التام الكلمات المسطر تحتها داخل النص ( الناسَ – يَنْعَمُ – الطرْفُ – مُخْضَرِ)
2- استخرج من النص اسما للتفضيل وأسلوبا للتعجب
- اسم التفضيل : أنجع
- أسلوب التعجب : ما أحوج...!  - أنعم بالعيش...!
3- حدد طريقة صياغة التعجب في الجمل التالية :

 الجــــمـــــــــل
 طريقة صياغة أسلوب التعجب فيها
 - ما أعظم ما تساهم به في حق بيئتك!
- ما أجمل الطبيعة!
- يا له من منظر رائع!
 - طريقة غير مباشرة
- طريقة مباشرة
- طريقة سماعية أو اصطلاحية
4- كون جملتين تستعمل في الأولى اسم تفضيل بطريقة مباشرة وفي الثانية بطريقة غير مباشرة
- تقبل كل جملة مستوفية للشروط المطلوبة.
5- أعرب : أنعم بالعيش في جنباتها
- أنعم : فعل ماض جاء على صورة الأمر مبني على الفتحة المقدرة على آخره المانع من ظهورها السكون الذي اقتضته صيغة الأمر.
- بــ : حرف جر زائد لا محل له من الإعراب
- العيش : اسم مجرور بالباء لفظا ، مرفوع محلا على أنه فاعل
- في: حرف جر
- جنباتها : اسم مجرور بالكسرة الظاهرة وهو مضاف الهاء ضمي متصل مبني في محل جر مضاف إليه.

إقرأ المزيد

غيم أسود

        تلك البلدة المنكوبة بحريرها نكبت بوباء أيضا. قيل إنه الهواء الأصفر ، وقيل الطاعون ، وأكدآخرون فيما بعد أنه الجوع. انتشرت المجاعة في كل مكان . وانتشر الجرب فأصابتنا
تحليل النص القرائي ((غيم أسود)) - حنا مينة
العدوى. ظهرت البثورعلى أجسامنا ، والتهبت بالحكة و تبقعت وجعلت الأم تذيب الملح وتدهننا.
        ذهبت يوما الى بيت المختار فطردوها. كان الزوج قد جن ، دخل غرفته وأغلق الباب نهائيا ، ولم يعد يسمح لأحد بالدخول عليه. كان يتناول طعامه من نافذة الغرفة ، ويغلقها بعد ذلك ، وحرم على الجميع ولوج عتبة الباب الذي غدا محجرا لمن فيه . ولم تستطع الأم أن ترى أختنا المحجورة.فعادت فارغة اليدين ، وبدا لها في نوبة من اليأس ، ألا مخرج لنا من ورطتنا وأننا ميتون لا محالة جوعا.
        كان الوقت عصرا ، وكان عصرا تشرينيا باردا . وقالت الأم : إن علينا أن نذهب إلى الحقول ونجمع من التخوم ومجاري المياه أنواعا من الحشائش ستدلنا عليها.
       رفضت البقاء في البيت ، فألبستني ثيابا شتوية ، وقمطت رأسي بمنديل وحملتيني ومضينا الى غدير قريب ومعنا سلة، وفي يد الأم و الأختين سكاكين . وهناك شرعن باقتلاع عشبة الحميضة التي جمعنا منها مقدارا كافيا . وعدنا الى البيت فغسلتها الأم وفرمتها ونحن نتحلق حولها . ولم نبرح الموقد الذي تسلقها عليه حتى استوت ، وسكبتها لنا في صحن كبير ، فاقبلنا عليها.
       هذه الوجبة الحشبشية كانت خدعة غدائية يائسة ، خلفت غثيانا في نفوسنا وإسهالا بلغ حد المرض برغم الملح الذي أكثرت منه الأم.
       ومع ذلك ، كان لا بد من هذا الحشيش ، وقد حسبت الأم أن الإسهال يزول بشرب الماء الساخن.حدثتنا وهي تطهوه لنا أنها تعرف مكانا ينبت فيه بكثرة ، وأنها ستقودنا في الصباح لجمع كمية كبيرة منه.  و في الصباح كنا على حالة من الاعياء بسبب القي والإسهال ، ألجأنا إلى الانكفاء في ركن البيت صفر الوجوه ، ذابلين كأغصان قطعت وألقيت في شمس تموز . وزاد في هلع الأم ذلك الورم الذي ظهر في وجوهنا وأطرافنا من جراء بثور الجرب.
      إن جسوم الأطفال ، حين ينهكها الضعف أو المرض،  تنقلب حيويتها الى أشلاء تستدر الإشفاق والجزع . لا يبقى عندئذ من الطفل سوى عينين تنظران بانكسار ولا مبالاة. يذبل وتنفرج شفتاه عن أسنانه ، ويكف عن الحركة ويلاحق صامتا أمه بنظرات مودعة ضارعة.
       كنا نحن أولئك الأ طفال...لقد أهزلنا الجوع  ، وهدنا الإسهال وتراخينا كأوراق مبللة. وعلى فراش في الزاوية تمددت ، ولم تلبث أختاي أن تكورتا قربي ،  وغطتنا الأم وأشعلت النار في  الموقد.
       لقد ازدادت الآن نحولا ، وفي الاستجابة إلى نداء الجسم المكود كان طبيعيا الاستسلام . لتأت النهاية على النحو الذي تريد . ياأيتها النسمة الباقية في الصدر اخرجي ودعينا . الحياة والموت يصبحان في وهن الجسم وهنا في الصراع . يكف الصراع ويلوح الموت حاملا ملاءة غيم أسود.
      ذلك الصباح كان غيم أسود ، كان برد.  وكنا شموعا صغيرة  ، أعقاب شموع صغيرة تنوس وتوشك أن تنطفىء. كان يكفي أن تغلق أمنا الباب ، وتأتي إلينا وتضطجع مثلنا ،  تاركة للغيمة أن تغمرها
وللراحة أن تشملها وللبيت الطيني أن يوارينا حتى يفطن إلينا من يوارينا.

حنا مينة ، بقايا صور ، دار الآداب ، بيروت ، الطبعة 2 ، 1978 . (بتصرف)

أولا : التعريف بالكاتب : [ حنا مينة] 



 مراحل من حياته :
 أعماله :
  ولد في مدينة اللاذقية بسوريا سنة 1924
- اشتغل في عدة مهن قبل أن يصبح كاتبا (حمال – بحار- مصلح دراجات – حلاق- صحفي - …)
- بدأ حياته الأدبية بشكل متواضع ، حيث تدرج في كتابة الرسائل للجيران والعرائض للحكومة ، ثم انتقل لكتابة المقالات والأخبار في الصحف السورية واللبنانية ، ثم شرع بعد ذلك في كتابة القصص القصيرة.
- ساهم بشكل كبير في تأسيس اتحاد الكتاب العرب.
-حنا مينة أب لخمسة أولاد، بينهم صبيان، هما سليم، توفي في الخمسينيات، في ظروف النضال والحرمان والشقاء، والآخر سعد، أصغر أولاده ، وهو ممثل ناجح  الآن، شارك في بطولة المسلسل التلفزيوني (نهاية رجل شجاع) المأخوذة عن رواية والده ولديه ثلاث بنات: سلوى (طبيبة)، سوسن (تحمل شهادة الأدب الفرنسي)، وأمل (مهندسة مدنية)
 - كتب الكثير من الروايات، معظمها يصف حياة البحارين في اللاذقية وصراعهم مع أخطار البحر.

- من أشهر رواياته :
"المصابيح الزرق" و"الشراع والعاصفة" و"الياطر" و"الأبنوسة البيضاء" و"حكاية بحار" و"نهاية رجل شجاع".

- له سيرة ذاتية بعنوان : “بقايا صور”  وهي التي اقتطف منها النص.

ثانيا : ملاحظة النص واستكشافه :

1- العنوان : 
 تركيبيا
 معجميا
 دلاليا
 مركب وصفي  ينتمي إلى المجال السكاني  يحمل عنوان النص عدة دلالات :
1- غيم أسود = السحاب المحمل بالأمطار    2 - غيم أسود = التلوث / الدخان
3- غيم أسود = الحزن والمعاناة
2- بداية النص : لم يتكرر فيها العنوان ، ورغم ذلك فهي تتضمن ألفاظا تنسجم في معناها مع الدلالة (3)  للعنوان (غيم أسود = الحزن والمعاناة) ومن أمثلة هذه الألفاظ : [ الجوع – الطاعون – الوباء ]
3- نهاية النص : نلاحظ فيها ما يلي :    -  تكرار العنوان  - السارد يحكي بضمير المتكلم مما يدل على أن النص سيرة ذاتية – انخفاض إيقاع السرد ومعه صوت السارد على خلاف بداية النص التي بدأ فيها الإيقاع مرتفعا وسريعا
             *** العلاقة بين بداية النص ونهايته هي علاقة سبب بنتيجة  [المجاعة-----------==-  الموت]
4- نوعية النص : النص مقطع من سيرة ذاتية ذو بعد سكاني واجتماعي

ثالثا : فهم النص :

1- الإيضاح اللغوي :
- تبقعت : ظهرت فيها بقع     /         محجرا : محبسا و حاجزا مانعا         /        التخوم : الحدود الفاصلة بين الأراضي     /       غدير : مستنقع ، بركة ، قطعة من الماء يتركها السيل    /   الجزع : ضد الصبر     /   ضارعة :   متوسلة      /   المكدود : المتعب والمنهك
2- الحدث الرئيسي :
معاناة الأسرة بسبب الجوع والأمراض والأوبئة التي كادت أن تقضي عليهم.

رابعا : تحليل النص :

1- أحداث النص بوصفه سيرة ذاتية :
أ- وصف معاناة أسرة السارد بعد نكبة المجاعة التي أصابت البلدة
ب- خروج الأم مع أبنائها لجلب بعض الحشائش لإعداد وجبة تعتقد أنها علاج للمرض الذي أصيبوا به
ج- مرض الأطفال جراء تناولهم لتلك الوجبة الحشيشية
د- الاستسلام للمرض وانتظار الموت
*** ويمكن تلخيص أحداث النص في الجدول التالي :
 حالة البداية
 عمليات التحول
 حالة النهاية
 الحدث المحرك
 العقدة
 الحل
 Ø
 انتشار الأمراض والأوبئة والمجاعة  إصابة الأسرة بالعدوى  اللجوء إلى العلاج بالملح
 Ø
 Ø
 Ø
 خوف الأم على أبنائها من الموت جوعا  الخروج لجلب بعض الحشائش
 Ø
 Ø
 Ø
 تفاقم مرض الأسرة بعد تناول الوجبة الحشيشية
 Ø
 الاستسلام وانتظار الموت
2- الشخصيات و أوصافها :
 الشخصيات
 الأوصاف الجسمية
 الأوصاف النفسية
 الأوصاف الاجتماعية
 السارد  منهك – نحيل – ذابل…  الحزن و الاستسلام  الابن الأصغر بين أخواته (ألبستني / حملتني…)
 الأم
 Ø
 يائسة / خائفة على أبنائها / حنونة…
 Ø
 المختار
 Ø
 غاضب ، متوتر ، خائف من الإصابة بالمرض(كان الزوج قد جن…)
 Ø
 الأخوات  -إحداهن محجورة في بيت المختار ، والأخريان أصيبتا بعد تناول عشبة الحميضة.. وتنطبق عليهما أوصاف السارد الجسمية (الإنهاك – النحول – الذبول…)  الحزن و الاستسلام
 Ø

3- نوع الرؤية السردية :
        * الرؤية مع أو الرؤية المصاحبة   [ السارد    =    الشخصية الرئيسية ]
4- إيقاع السرد :
            يبتدئ النص بإيقاع سريع في الحكي وذلك بهدف الإعلان عن العقدة والمصيبة التي حلت بالأسرة منذ البداية دون التوقف عند التفاصيل الكثيرة المرتبطة . لكن إيقاع السرد بدأ في الانخفاض التدريجي مع الاقتراب من نهاية النص ليصل إلى حد الخفوت ثم السكون في نهاية النص ، وذلك حتى ينسجم مع الاستسلام للموت الذي آل إليه حال الأسرة في نهاية النص.
5- الألفاظ والعبارات الدالة على معاناة الأسرة :
[ الطاعون – الجوع – العدوى – أهزلنا الجوع – ميتون لا محالة – المنكوبة – الضعف – نوبة من اليأس – الجزع – هلع الأم – الزوج قد جن – تنظر بانكسار…. ]

خامسا : التركيب والتقويم :

         يصور السارد من خلال هذا النص حال أسرته بعد المجاعة والأمراض التي أصابت بلدته وكادت أن تؤدي بحياته وحياة أسرته.. حيث ينقل إلينا مظاهر العدوى ، ولاسيما بعد تناول وجبة حشيشية أحالت جسومهم إلى أشلاء تثير الشفقة ، ولم يعد من حل أمامهم سوى الاستسلام وانتظار الموت.
         ولما كان النص ينتمي إلى المجال السكاني فهو يعالج ظاهرة سكانية تتمثل في المجاعة وما يترتب عنها من أمراض خطيرة قد تؤدي إلى الهلاك.
         على مستوى الأسلوب يمزج السارد بين السرد والوصف ، ويركز على الوصف خاصة لنقل صورة دقيقة بكل تقاصيلها الجزئية عن حالة الأسرة المنكوبة.. ولذلك نجد في النص العديد من الجمل الوصفية الرائعة ، وتتجلى ملامح الإبداع والبلاغة في هذه الجمل في كونها ليست مجرد وصف تقريري ولكنه وصف فني مليئ بالتشبيهات والمجازات والاستعارات. ومن أمثلته الجمل التالية :  
         [  ذابلين كأغصان قطعت و ألقيت في شمس تموز – تراخينا كأوراق مبللة – كنا شموعا صغيرة ، أعقاب شموع صغيرة - تنقلب حيويتها إلى أشلاء تستدر الإشفاق والجزع … ]
إقرأ المزيد

المواكب

قصيدة المواكب لجبران خليل جبران

 الخير   في    الناس   مصنوع     إذا     جبروا  والشر  في  الناس  لا يفنى   و  إن   قبروا
 و    أكثر       الناس        آلاتٌ          تحركها  أصابع    الدهر     يوماً        ثم       تنكسرُ
 فلا         تقولنَّ         هذا         عالم       علمٌ  و    لا      تقولنَّ     ذاك    السيد       الوَقُرُ
 فأفضل    الناس       قطعانٌ      يسير     بها  صوت   الرعاة  و   من  لم    يمشِ    يندثر
 و     ما     الحياةُ     سوى       نومٍ     تراوده  أحلامُ     من      بمرادِ      النفس      يأتمرُ
 و  السرُّ  في   النفس  حزن   النفس   يسترهُ  فإِن        تولىّ         فبالأفراحِ         يستترُ
 و السرُّ   في  العيشِ   رغدُ   العيشِ   يحجبهُ  فإِن        أُزيل       توَّلى      حجبهُ     الكدرُ
 و  ما   السعادة   في    الدنيا    سوى   شبحٍ  فإن      صارَ      جسماً       ملهُ       البشرُ
 كالنهر     يركض      نحو     السهل   مكتدحاً  حتى     إذا      جاءَهُ       يبطي    و    يعتكرُ
 لم    يسعد    الناسُ    الا     في     تشوُّقهمْ  إلى     المنيع    فإن     صاروا     بهِ   فتروا
 فإن     لقيتَ     سعيداً    و    هو    منصرفٌ  عن    المنيع     فقل    في     خُلقهِ     العبر

جبران خليل جبران “المواكب” منشورات عالم الشباب . ط 1 – ص 9 . بيروت 2000


أولا : التعريف بالشاعر : [ جبران خليل جيران ]


 مراحل من حياته :
 أعماله :
 - ولد في بلدة بشري شمال لبنان سنة 1883 من أسرة صغيرة فقيرة
- هاجر وهو صغير مع أمه وإخوته إلى أمريكا سنة 1895
- ظهرت مواهب جبران الأولى  في مجال الرسم عندما التحق بمدرسة الفنون ، حيث لاقت رسوماته إعجاب مدرسيه.
- عاد إلى لبنان في الخامسة عشرة من عمره لمتابعة دراسته وخاصة في اللغة العربية
- عاد إلى أمريكا من جديد بعد أن وصلته أخبار بمرض أسرته..
- بدأ جبران بنشر كتاباته العربية في الصحف أولا ثم  يجمعها بعد ذلك ويصدرها بشكل كتب ، ويتدرب في الوقت نفسه على الكتابة  بالإنكليزية.
- أسس جبران خليل جبران الرابطة  القلمية مع كل من إيليا أبي ماضي ، وميخائيل نعيمة ، ونسيب عريضة ، وآخرين.. بهدف النهوض بالأدب العربي وإخراجه من ركوده وانحطاطه.
-بقي جبران خليل جبران وفيا للرابطة القلمية إلى حين وفاته سنة 1931
 بالعربية :
- لأرواح المتمردة 1908 - الأجنحة المتكسرة 1912
- دمعة وابتسامة 1914 - المواكب 1918
* بالإنجليزية :
-المجنون 1918 - السابق 1920 - النبي 1923
- رمل وزبد 1926 - يسوع ابن الإنسان 1928
- آلهة الأرض 1931 - التائه 1932  -  حديقة النبي 1933

ثانيا : ملاحظة النص واستكشافه :


 العتبات/المؤشرات
 الملاحظات
 الفرضيات / التوقعات
1- العنوان  - تركيبيا : عنوان القصيدة مفرد من حيث عدد كلماته، وجمع من حيث صيغته.
- معجميا : ينتمي إلى المجال الاجتماعي
- دلاليا : المواكب مفرد لموكب وهو : الجماعة من الناس يسيرون ركبانا ومشاة في زينة واحتفال.
 -------------------------------------
2- خلفية النص  كتبت القصيدة على خلفية لافتة للانتباه هي صفحة رسالة قديمة ، مما قد يعني أن الشاعر يوجه رسالة إلى مواكب الناس ، فماذا تتوقع أن يكون مضمون هذه الرسالة؟  يفترض أن تكون الرسالة التي يوجهها الشاعر لمواكب الناس حاملة لخطاب اجتماعي (انظر الملاحظة المعجمية للعنوان)
3- بدايات الأبيات  لم يتكرر فيه العنوان لفظا ، ولكننا نجد ألفاظا أخرى جاء على نفس صيغته (صيغة الجمع) وهي : الناس – آلات – قطعان - الرعاة  يفترض أن تكون رسالة الشاعر موجهة إلى أصناف مختلفة من الناس لا إلى صنف واحد فقط
4- الأسماء  نلاحظ هيمنة للأسماء على الأفعال في القصيدة  - القصيدة وصفية
- رغبة الشاعر في تثبيت وترسيخ رسالته
5- نوعية النص
 قصيدة شعرية عمودية ذات بعد اجتماعي / إنساني



ثالثا : فهم النص :

1- الإيضاح اللغوي:


تولى : لها معنيان : - معنى : ذهب ومضى وانصرف (في البيت 6) – ومعنى : تكفل( في البيت 7) 
رغد العيش : طيب العيش ورفاهيته 
مكتدحا : متعبا وباذلا جهدا 
فتروا : ملوا وسئموا

2- الفكرة المحورية:

التأمل في واقع الناس وحقيقة الحياة ومعنى السعادة

رابعا : تحليل النص :

1- رؤية الشاعر :

 رؤيته للناس
 رؤيته للحياة
 رؤيته للسعادة
[البيت:1 إلى البيت: 4]
الإنسان شرير بطبعه ، لا يفعل الخير إلا إذا أجبر على فعله والموت هو المصير الحتمي لكل الناس.
  [البيت : 5 إلى البيت : 7]
 الحياة كالحلم مليئة بالغموض والأسرار التي تظل مجهولة في كل الأحوال (في لحظات الحزن والكدر وأيضا في لحظات الفرح ورغد العيش).
 [البيت: 8 إلى البيت: 11]
السعادة شبح أو وهم يلهث الناس وراءهن وعندما يحصلون عليها يملون منها بسرعة.. لذلك فالسعادة الحقيقية في نظر الشاعر تكون قبل تحقيقها أي في لحظة الشوق إليها، وخاصة الشوق إلى الأمور الصعبة والمستحيلة.


2- الحقول الدلالية :

 الألفاظ الدالة على التفاؤل
 الألفاظ الدالة على التشاؤم
 الخير – أحلام – الأفراح – رغد العيش – السعادة - سعيدا  الشر – تنكسر –  يندثر- حزن – يستتر - يحجبه – الكدر- شبح – مله – مكتدحا – يبطي – يعتكر – فتروا – منصرف

*** الدلالة : نستنتج من الحقلين السابقين ما يلي :
   - هيمنة الألفاظ الدالة على التشاؤم يدل على النزعة التشاؤمية للشاعر تجاه الحياة وهذا ينسجم مع أفكارالمدرسة الرومانسية التي ينتمي إليها الشاعر
   - هناك تقابل في الألفاظ بين الحقلين (الخير ≠ الشر    -    الأفراح ≠ حزن       -    رغد العيش ≠ الكدر  )  وهذا يدل على أن الشاعر يرى الحياة مليئة بالمتناقضات.

خامسا : الخصائص الفنية :

1- التشبيه : 

    - كالنهر يركض نحو السهل مكتدحا                حتى  إذا  جاءه  يبطي  و  يعتكر
    - وأكثر   الناس     آلات     تحركها               أصابع   الدهر  يوما   ثم    تنكسر

 المشبه
 المشبه به
 الأداة
 وجه الشبه
 - السعادة  - النهر  الكاف  - الإسراع نحو الهدف رغم العراقيل والصعاب ثم الوقوف والركود بعد ذلك.
 - الناس  - آلات  (تشبيه بليغ حذفت منه الأداة)  - الانكسار وفقدان الصلاحية

2- الاستعارة : 

   - كالنهر يركض نحو السهل مكتدحا                حتى  إذا   جاءه   يبطي  و  يعتكر

 اللفظ المستعمل في غير ما وضع له
 المشبه
 المشبه به
 توضيح الاستعارة
 يركض
 النهر
 Ø
 شبه النهر بالإنسان لجامع السير و التحرك و الاتجاه في كل ، فحذف المشبه به  (الإنسان)  و أبقي على لازم من لوازمه وهو الركض الذي استعاره الشاعر من الإنسان ليؤدي به المعنى الذي أراده في البيت السابق.

3- الطباق : 

   - الخير في الناس مصنوع إذا  جبروا                      والشر في الناس لا يفنى وإن قبروا
   - والسر في النفس حزن النفس يستره                      فإن     تولى      فبالأفراح    يستتر
****  وظيفة الطباق  هي الحجاج والإقناع  من خلال رصد المقارنات والمفارقات واستنتاج التناقض الذي يراه الشاعر سمة في الحياة.

4- التكرار :  

 تكررت ألفاظ كثيرة منها :   الناس – تقولن – النفس – المنيع … وغيرها  ، ووظيفة التكرار هي التأكيد وتثبيت المعنى وترسيخه
إقرأ المزيد